بلانيت |

أي ريادة في مؤسسات بلا مدير ولا حارس؟.. قراءة نقدية من مولاي رشيد

ملصق الدورة التكوينية التي أعلنتها المديرية الاقليمية مولاي رشيد

فتيح مصطفى*

قبل الدخول في التحليل، يستحق الملصق نفسه وقفة قرائية متأنية، لأنه صادر عن جهة محددة بذاتها: الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات، عبر المديرية الإقليمية بمولاي رشيد تحديدا. والجدول الزمني الموضوع أسفل الملصق يكشف مفارقة دالة: التكوين التذكيري الموجه لأساتذة الفوج الثالث المتمرسين، والتكوين نفسه الموجه للأساتذة الجدد الملتحقين حديثا، يُدمجان في نفس الفترة الزمنية المضغوطة، من 04 إلى 05 شتنبر، وفي نفس القاعة، وبنفس المضمون. أستاذ لم يسبق له أن مارس مقاربات “دعم التعلمات الأساس” و”التعليم الفعال” يُدرج في دورة “تذكيرية” بالتعريف، بينما يفترض أن يحصل هو على تكوين تأسيسي مختلف كليا. ويضاف إلى ذلك أن نفس الفترة، من 02 إلى 05 شتنبر، تحمل أيضا ورشات تقاسمية على مستوى المؤسسات، أي التزامات موازية تثقل الأيام القليلة التي تسبق الدخول المدرسي مباشرة. هذا الضغط الزمني، المرصود في وثيقة صادرة عن المديرية الإقليمية بمولاي رشيد بالذات، هو المدخل الطبيعي لسؤال أوسع: كيف تتعامل هذه المديرية، وهذه الجهة، مع مشروع فُرض عليها من المركز بجدول زمني واحد لا يراعي خصوصياتها؟

على المستوى الجهوي، تفيد التصريحات الرسمية لمسؤولي الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بجهة الدار البيضاء سطات أن نسبة التغطية بمشروع مدارس ومؤسسات الريادة بالجهة لم تكن تتجاوز ثلاثا وثلاثين بالمائة من المؤسسات في وقت غير بعيد، مع الإعلان عن هدف الوصول إلى أزيد من اثنتين وخمسين بالمائة في الموسم الموالي، وصولا إلى تعميم كامل بحلول 2027. هذا الاعتراف الرسمي نفسه يكشف أن الجهة كانت، حتى وقت قريب جدا، لا تزال في مرحلة تجريب جزئي، بينما يُطلب من مديرياتها الإقليمية، ومنها مديرية مولاي رشيد، تنظيم دورات “تذكيرية” كما لو أن التجربة رسخت واكتملت. وفي نيسان 2026، نظمت الأكاديمية نفسها حفلا جهويا احتفاليا لتتويج المؤسسات المتصدرة في آلية تثمين الأداء التربوي ضمن برنامج الريادة، توجت خلاله مدرسة الشفشاوني الرائدة بمديرية عين السبع الحي المحمدي وثانوية سيبويه الإعدادية، في خطاب رسمي يتحدث عن قيادة تربوية فعالة وتنافس إيجابي. لكن هذا الخطاب الاحتفالي يصطدم بمعطى صادم كشفته مؤشرات الأداء البيداغوجي الرسمية نفسها: فمعدل التمكن في أكاديمية الدار البيضاء سطات تراجع من 76.34 في المائة إلى 66.47 في المائة، أي بفارق يناهز عشر نقاط مئوية كاملة في اتجاه سلبي. فكيف نحتفل بمؤسسات “متميزة” بينما المؤشر العام للجهة التي تنتمي إليها يتراجع بهذا الحجم؟ هذا التناقض بين خطاب التتويج وخطاب الأرقام هو بعينه ما يستدعي مساءلة الأكاديمية الجهوية بشكل مباشر ومحدد، لا مساءلة عامة للمنظومة الوطنية.

أما على مستوى مديرية مولاي رشيد تحديدا، فالصورة أكثر قتامة حين ننزل من مستوى الخطاب الجهوي إلى مستوى المؤسسة الواحدة. فمن بين مؤسسات هذه المديرية وحدها، تعاني ما يقارب سبع إلى ثماني مؤسسات من فقر حقيقي في التجهيز الأساس، بما يجعل الحديث عن “ريادة” فيها أقرب إلى مفارقة لغوية منه إلى وصف واقعي. والأدهى أن أزيد من ثلاث وعشرين مؤسسة تعليمية داخل النفوذ الترابي نفسه تشتغل دون مدير أصلا، بينما المؤسسات التي حظيت بمدير تجد نفسها، في الغالب، رهينة “الواحد الأوحد”: فرد واحد يدبر كل شيء، من التدريس إلى الإدارة إلى متابعة الملفات، في غياب شبه تام لحراس الأمن وأعوان النظافة. فأين الريادة يا سادة، حين تفتقر المؤسسة إلى من يحرس بابها أو ينظف فصولها؟ وهذا الخصاص لا ينفصل عن السياق العام الذي تعيشه مقاطعة مولاي رشيد نفسها، وهي من أكبر وأقدم الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، حيث تتقاطع أزمة النظافة العمومية المتكررة وتراكم النفايات في الشوارع مع شكاوى الساكنة من ضعف الخدمات الأساسية والفضاءات العمومية، في بيئة سكانية كثيفة يقر تقرير صحفي محلي بأن تدني مستويات التعليم فيها أحد أوجه الاحتقان الذي تعيشه. فحين تكون المقاطعة نفسها تعاني من عجز في تدبير النظافة على مستوى الشارع، لا يستغرب أحد أن تنعكس الأزمة نفسها داخل أسوار المدرسة في صورة غياب أعوان النظافة والحراسة. هذا التزامن بين هشاشة المجال الحضري وهشاشة المؤسسة التعليمية هو بالضبط ما يفترض أن يدفع المخطط المركزي إلى معاملة مولاي رشيد بمنطق تفاضلي يراعي خصوصيتها الاجتماعية، لا بمنطق التوحيد القسري الذي يطبق نفس الجدول الزمني ونفس الشعار على مؤسسة في حي مهمش مثلما يطبقه على مؤسسة في حي ميسور.

وهنا بالضبط يكمن جوهر الإشكال البنيوي: القرارات المتعلقة بتوزيع الموارد وتخصيص التمويل تُتخذ، وفق ما رصدته هيئات التقييم الرسمية نفسها، على المستوى المركزي بالدرجة الأولى، بينما يبقى هامش تصرف الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية ومديري المؤسسات محدودا إلى حد بعيد رغم الاعتراف الشكلي بأدوارهم في النصوص. فمديرية مولاي رشيد، بمعطياتها الخاصة من خصاص في التأطير الإداري وفقر في التجهيز وسياق حضري هش، تتلقى نفس المذكرة الوزارية، ونفس الجدول الزمني المضغوط، ونفس تسمية “الفوج 3″، التي تتلقاها مديرية أخرى في سياق مغاير كليا من حيث الموارد والحاجة. والمفارقة الأمر من هذا الخصاص هي طريقة توزيع الموارد المتاحة أصلا: حين تصرف “أموال الطاولة”، أي الميزانيات المخصصة لتجهيز الأقسام وتوفير الحراسة والنظافة، في غير محلها، فإن الهم الفعلي يتحول من خدمة التلميذ إلى تلميع صورة المرؤوس أمام رئيسه، بمنطق تراتبي يتكرر من المديرية إلى الأكاديمية إلى الوزارة، بينما الفصل الذي لا كرسي فيه يكفي، والمؤسسة التي لا حارس عندها، يبقيان على حالهما.

والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أكبر اليوم هو سؤال التوقيت. فخارطة الطريق التي احتضنت مشروع مدارس وإعداديات الريادة تحمل عنوانا صريحا لا لبس فيه: “خارطة الطريق 2022-2026″، وهي، كما أعلنتها الوزارة نفسها منذ نونبر 2022، خطة خماسية محددة الأجل، توقعت أن تظهر آثارها الملموسة ابتداء من الموسم الدراسي 2025-2026 في أفق تحسن شامل لا يكتمل إلا سنة 2030. بعبارة أخرى، نحن اليوم، في شتنبر 2026، على أعتاب نهاية الأجل الرسمي الذي حددته الوزارة لنفسها في هذه الوثيقة، وليس في بداية مساره. فلماذا إذن لا تزال شعارات “P3″ و”إعداديات الريادة” تُرفع بنفس الحماس التعبوي الذي رافق انطلاقتها قبل أربع سنوات، دون أن يواكبها في المقابل أي حصيلة رسمية شفافة ومفصلة، منشورة للرأي العام، تبين بالأرقام ماذا تحقق فعلا من الالتزامات الاثني عشر التي وعدت بها الخارطة، وماذا تبقى معلقا؟ حين ينتهي أجل مخطط رسمي دون أن تصدر عنه حصيلة واضحة، يصبح الاستمرار في رفع شعاره خارج الآجال المعلنة أقرب إلى تدبير الصورة منه إلى تدبير الإصلاح، تماما كما يتكرر منطق تلميع الصورة الذي يستنزف موارد كان يفترض أن توجه لسد الخصاص الحقيقي في الأطر والتجهيز.

المسؤولون على القطاع، وعلى رأسهم الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدار البيضاء سطات والمديرية الإقليمية بمولاي رشيد باعتبارها الجهة المشرفة المباشرة على هذه الدورات، مطالبون اليوم، وقد انقضى الأجل الرسمي للخارطة، بأن يحصروا بدقة ووضوح مكامن الضعف في هذا المشروع الذي كلف الكثير من الجهد والمال دون أن يحقق النتائج المرجوة منه في الميدان، بدل الاكتفاء بتجديد نفس الشعار التعبوي كل دخول مدرسي. فحصر مكامن الضعف ليس تشهيرا بأحد، بل هو أدنى شروط المساءلة الإدارية التي تستحقها كل جهة صرفت مالا عاما بهذا الحجم، ويستحقها كل أستاذ وتلميذ ينتظر أن تتحول الشعارات الملونة إلى شروط عمل وتعلم حقيقية.

* الكاتب الإقليمي للجامعة الوطنية للتعليم فرع مولاي رشيد- الاتحاد المغربي للشغل

أحدث الأخبار

فيديو

تابعنا على :

الصفحات