قبل ستة أيام من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، أعاد حزب العدالة والتنمية ملف العلاقات المغربية الإسرائيلية إلى قلب النقاش السياسي، بعدما جدد، الخميس، رفضه لما يسميه «كل أشكال التطبيع»، على خلفية الأنباء المتداولة بشأن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل.
وأعلنت الأمانة العامة للحزب، عقب اجتماع عاجل واستثنائي عقدته عن بُعد، أن المعطيات المتداولة بشأن رفع مستوى العلاقات «مازالت لم يعلن عنها المغرب رسميا»، مؤكدة أن موقفها الرافض للعلاقات والاتفاقيات مع إسرائيل ليس موقفا ظرفيا، وإنما جزء من توجه معلن للحزب.
هذا الموقف مثبت أيضا في البرنامج الانتخابي الذي يخوض به العدالة والتنمية اقتراع 2026. ففي محور السياسة الخارجية، يضع البرنامج ضمن التزاماته «دعم قوي ولا مشروط للقضية الفلسطينية ورفض ومناهضة التطبيع»، إلى جانب صيانة السيادة والوحدة الوطنية والترابية وتعزيز حضور المغرب الخارجي.
لكن بلاغ الخميس تضمن في الوقت نفسه رسالة تنظيمية لافتة: قيادة الحزب طلبت من أعضائه عدم الخوض في ما ينشر داخليا وخارجيا حول مستجدات العلاقات مع إسرائيل، ودعتهم إلى التركيز على الحملة الانتخابية والتعريف ببرنامج الحزب.
سؤال ما بعد 23 شتنبر
يطرح هذا الموقف سؤالا سياسيا يتجاوز الحملة الانتخابية نفسها: كيف سيتصرف العدالة والتنمية إذا أفرزت نتائج الانتخابات وضعا يشارك فيه الحزب في حكومة مقبلة، بينما يتضمن برنامجه التزاما صريحا بمناهضة التطبيع؟
السؤال لا يتعلق فقط بموقف حزبي، بل أيضا بالبنية الدستورية لصنع السياسة الخارجية في المغرب. فالدستور ينص على أن المجلس الوزاري، الذي يرأسه الملك، يتداول في «التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة»، كما ينص الفصل 55 على أن الملك يعتمد السفراء ويوقع المعاهدات ويصادق عليها، مع وجود حالات محددة تستوجب موافقة البرلمان بقانون.
وبذلك، فإن دخول حزب إلى الحكومة لا يعني تلقائيا امتلاكه حرية منفردة في إعادة صياغة العلاقات الخارجية للدولة. وفي المقابل، يظل الحزب المشارك في الحكومة مطالبا سياسيا بتفسير كيفية التوفيق بين التزاماته الانتخابية وبين السياسة التي تلتزم بها الحكومة التي يشارك فيها.
من المعارضة إلى اختبار المسؤولية الحكومية
هنا تحديدا تصبح صياغة البرنامج الانتخابي مهمة. فالعدالة والتنمية لم يكتف بالتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين، بل جعل «مناهضة التطبيع» أحد التزاماته في محور السياسة الخارجية.
وإذا بقي الحزب في المعارضة، يستطيع مواصلة الدفاع عن هذا الموقف من البرلمان والفضاء العام. أما إذا شارك مستقبلا في أغلبية حكومية، فسيبرز سؤال أكثر عملية: هل سيطالب بتغيير السياسة القائمة؟ أم سيحتفظ بموقفه الحزبي مع الالتزام بالتوجه الخارجي للدولة؟ أم سيجعل الملف موضوع تفاوض عند تشكيل أي أغلبية؟
حتى الآن، لا يقدم بلاغ الخميس جوابا عن هذه السيناريوهات. بل يكتفي بتثبيت موقف الحزب، وفي الوقت نفسه يطلب من مناضليه إرجاء الخوض في تفاصيل المستجد والتركيز على الانتخابات.
وهذا ما يجعل ملف العلاقات مع إسرائيل، بالنسبة للعدالة والتنمية، لا ينتهي عند سؤال موقفه من التطبيع، بل يمتد إلى سؤال أوسع قد يفرض نفسه بعد صناديق الاقتراع: كيف يتحول موقف المعارضة إلى سياسة قابلة للتطبيق عندما يصبح الحزب جزءا من السلطة التنفيذية؟