في قلب الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، لا يقتصر الزائر على استكشاف أحدث التقنيات الزراعية أو عقد الصفقات التجارية، بل يجد نفسه أمام فضاء مختلف: القطب الدولي، حيث تتحول الأروقة إلى رحلة عابرة للقارات، تختزل تنوع الثقافات وتداخلها.
هذا الفضاء، الممتد على مساحة واسعة، يتجاوز البعد الاقتصادي والفلاحي في مفهومه الضيق، ليحتضن أبعادًا إنسانية وثقافية واجتماعية. هنا، لا تُعرض المنتجات فقط، بل تُروى قصص الشعوب من خلال ما تجود به أراضيها وما تختزنه ذاكرتها الجماعية.
خلال أيام المعرض، تستعيد مدينة مكناس، ذات التاريخ التجاري العريق، دورها كملتقى للقوافل، لكن بصيغة معاصرة. أروقة القطب الدولي تتحول إلى سوق نابض بالحياة، يجمع عارضين من مختلف القارات، ويمنح الزائر تجربة حسية تتداخل فيها الألوان والروائح والنكهات.

في رواق البيرو، تحضر روح حضارة الإنكا من خلال منتجات فلاحية مميزة مثل الأفوكادو والمانغو. وعلى مقربة، تعرض الفلبين القهوة والذرة، فيما تقدم فيتنام بخور العود المستخرج من غاباتها، في مشهد يعكس تنوع الموارد الطبيعية وتعدد الخلفيات الثقافية.
في جناح السودان، تستوقف الزائر منتجات الصمغ العربي، بينما تتيح سورينام، القادمة من شمال أمريكا الجنوبية، فرصة التعرف على ثقافة بلد تغطي غابات الأمازون معظم أراضيه، من خلال منتجاته الزراعية كالموز والفاصوليا والأرز.
أما أوروبا، فتسجل حضورها عبر أروقة تعكس تقاليدها الغذائية، من بولندا المعروفة بمنتجاتها التقليدية، إلى البرتغال، ضيف شرف الدورة، حيث يقدم العارضون ملامح من المطبخ المتوسطي، بما في ذلك حلويات تقليدية قائمة على الأرز.
في الجناح الباكستاني، تختلط روائح التوابل والبخور، بينما تُعرض منتجات متنوعة تشمل القطن والحرير والأزياء التقليدية، إلى جانب زيوت طبيعية والشاي.
يقول زكي رانا، أحد العارضين:”لم نأت فقط لتسويق المنتجات، بل لنقل جزء من ثقافتنا وهويتنا.” ويضيف أن مشاركته المتكررة في الملتقى مكنته من التعرف على الثقافة المغربية واكتشاف أوجه التقاطع بينها وبين ثقافة بلاده، في تجربة يعتبرها غنية على المستوى الإنساني.
في جناح كوت ديفوار، تعرض إستر مومون منتجات تعكس عمق الثقافة الإيفوارية، من الكاكاو ومشتقاته إلى زبدة الشيا وخل الكاجو، إلى جانب أطباق تقليدية مثل “الأتييكي”، المصنوع من الكسافا.
وتؤكد مومون أن هذه المنتجات تحمل قيمة ثقافية تتجاوز بعدها التجاري، مشيرة إلى أن الملتقى يمثل فرصة لاكتشاف ثقافات أخرى، من بينها الثقافة المغربية.
أما مدغشقر، فتبرز من خلال منتجاتها الفلاحية والحرفية، وعلى رأسها الفانيلا التي توصف بـ“جوهرة” صادراتها، إلى جانب توابل جوزة الطيب ومنتجات يدوية مصنوعة من مواد طبيعية.
ولا يقتصر القطب الدولي على عرض المنتجات، بل يتحول إلى فضاء للتفاعل الثقافي، حيث يلتقي العارضون والزوار في تجربة تتجاوز التجارة إلى التعارف والتبادل المعرفي.
في هذا الفضاء، تختفي الحدود الجغرافية، وتلتقي الثقافات في حوار مفتوح، يجعل من الملتقى الدولي للفلاحة أكثر من مجرد تظاهرة اقتصادية، بل موعدًا إنسانيًا يترك أثره في ذاكرة المشاركين.





