لم تكن إقالة نصر الدين النابي من تدريب الرجاء الرياضي مجرد نهاية لخلاف عابر حول صفقة أو لاعب، بل كشفت عن إشكال أعمق في الطريقة التي بني بها المشروع الرياضي الجديد للفريق الأخضر، بعدما تعاقد الرئيس جواد الزيات مع المدرب التونسي أولا، قبل أن يعين، بعد نحو شهر، البرتغالي روجيريو ماتياس مديرا رياضيا بصلاحيات واسعة تشمل التخطيط والاستقطاب والإشراف على المشروع الكروي.
وهكذا وجد الرجاء نفسه أمام رجلين دخلا النادي في توقيتين مختلفين، وكل واحد منهما يحمل تصورا لدوره في بناء الفريق، قبل أن يتحول الاختلاف حول الميركاتو إلى صراع حول من يملك القرار الرياضي فعليا داخل الرجاء.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن الخلاف بين النابي وماتياس بلغ نقطة يصعب معها استمرار الرجلين داخل المشروع نفسه، فيما أفادت مصادر مطلعة بأن قرار إبعاد المدرب جاء بتوصية من المدير الرياضي بعد اختلافات متراكمة بشأن الانتدابات واللاعبين الذين ينبغي الاحتفاظ بهم أو التخلي عنهم.
لفهم ما حدث، يجب العودة إلى التسلسل الزمني للقرارات.
في 12 يونيو 2026، أعلن الرجاء تعيين نصر الدين النابي مدربا للفريق خلفا للجنوب إفريقي فادلو ديفيدز بعقد كان يمتد إلى يونيو 2027 مع إمكانية تمديده، وأن الطرفين ناقشا مشروعا رياضيا يتجاوز إنهاء الموسم المنصرم.
بل إن تقارير رافقت المفاوضات تحدثت عن تدخل مباشر لجواد الزيات في حسم الاتفاق مع النابي، بما في ذلك تفاصيل العقد والشرط الجزائي.
وبعد نهاية الموسم، بدأ النابي بالفعل يتصرف باعتباره المدرب الذي سيشارك في بناء رجاء الموسم الجديد؛ إذ سلم إلى المكتب المسير برئاسة الزيات تقريرا فنيا يتضمن تقييمه للمجموعة ولائحة اللاعبين الذين لا يدخلون ضمن حساباته.
لكن في 9 يوليوز، أي بعد أقل من شهر من التعاقد مع النابي، أعلن الرجاء تعيين البرتغالي روجيريو ماتياس مديرا رياضيا جديدا. ولم يكن المنصب شكليا؛ فالنادي قدم ماتياس باعتباره المسؤول عن قيادة الرؤية الرياضية والإشراف على المشروع الكروي ووضع الاستراتيجية الرياضية وتنسيق مكونات الإدارة التقنية.
ومن هنا بدأت المشكلة البنيوية.
مدرب جاء بمشروع.. ثم مدير رياضي جاء بصلاحيات واسعة
من الطبيعي في الأندية التي تعتمد نموذج المدير الرياضي أن يكون هذا الأخير مسؤولا عن بناء المشروع على المدى المتوسط والطويل، وأن يتولى اختيار المدرب أو، على الأقل، أن يكون طرفا أساسيا في اختياره.
لكن الرجاء سلك المسار المعاكس.
المدرب وجد أولا، ثم جاء المدير الرياضي لاحقا ليقود المشروع الذي كان المدرب قد بدأ أصلا في رسم جزء من ملامحه.
هذه ليست مجرد مسألة ترتيب زمني، لأن كليهما أصبح مطالبا بالاشتغال على ملفات واحدة: الانتدابات، المغادرون، نوعية اللاعبين، احتياجات الفريق، وكيفية بناء المجموعة.
وفي منتصف يوليوز كان الخطاب العلني لا يزال يتحدث عن التنسيق بين النابي وماتياس في الميركاتو، وعن اختيار أسماء تلائم احتياجات الفريق.
لكن ما بدا تنسيقا في البداية تحول، بعد أسابيع، إلى تنازع في الصلاحيات.
الميركاتو يفجر الخلاف بين النابي وماتياس
تفاصيل الأزمة التي خرجت إلى العلن تشير إلى أن النابي لم يكن راضيا عن الطريقة التي يدير بها ماتياس ملف الانتقالات.
ونقلت “هسبورت” عن مصدر قريب من المدرب أنه شعر بأنه لا يُشرك بالقدر الكافي في تحديد اللاعبين الذين يرغب النادي في ضمهم، وأنه سبق أن طالب بتوضيح حدود الصلاحيات بينه وبين المدير الرياضي، خصوصا في ما يتعلق بالميركاتو وشؤون الفريق الأول.
ووفق رواية أخرى، اعترض النابي على بعض الأسماء التي اختارها ماتياس، كما لم يتقبل رغبة المدير الرياضي في الاستغناء عن لاعبين كان يرغب في الاحتفاظ بهم، فضلا عن حديث عن مطالب مرتبطة بإشراك بعض اللاعبين.
وتحدثت مصادر أخرى عن انقطاع قنوات التواصل بين الرجلين، ووصول العلاقة إلى مرحلة جعلت النابي يلوح بالاستقالة، بينما أشارت تقارير إلى أنه وضعها بالفعل على طاولة الإدارة.
وهكذا لم يعد الخلاف حول من يأتي إلى الرجاء ومن يغادره فقط، بل أصبح حول من يملك الكلمة الأخيرة.
أين تقع مسؤولية جواد الزيات؟
هنا يصبح تحميل الأزمة كاملة للنابي أو لماتياس قراءة ناقصة.
فإذا كان المدير الرياضي قد عُين لقيادة المشروع الرياضي ومنح صلاحيات واسعة، فإن السؤال يطرح حول سبب التعاقد مع المدرب قبل اختيار الرجل الذي سيتولى قيادة ذلك المشروع.
الزيات كان رئيس النادي عندما تم التعاقد مع النابي في يونيو، وهو نفسه من أشرف بعد ذلك على إطلاق الإدارة الرياضية الجديدة. وفي 14 يوليوز، ترأس أول اجتماع لهذه الإدارة لوضع خطوط عملها استعدادا للموسم الجديد.
بالتالي، يتحمل رئيس الرجاء على الأقل مسؤولية تدبيرية في الطريقة التي رتبت بها هذه الاختيارات.
فإما أن يكون نصر الدين النابي قد تعاقد مع الرجاء على أساس امتلاكه دورا أساسيا في بناء الفريق، وفي هذه الحالة كان يجب تحديد كيفية انتقال هذه الصلاحيات بعد تعيين ماتياس.
وإما أن يكون المشروع الجديد قائما منذ البداية على مدير رياضي قوي يمتلك القرار في الاستقطاب، وفي هذه الحالة كان من المنطقي أن يشارك المدير الرياضي في اختيار المدرب الذي سينفذ مشروعه.
أما الجمع بين الاثنين بعد تعيين كل واحد منهما بصورة منفصلة، ثم ترك الحدود بين اختصاصاتهما محل تفاوض خلال الميركاتو، فقد جعل الصدام احتمالا قائما منذ البداية.
إقالة النابي تحسم الصراع لمصلحة المدير الرياضي
بهذا المعنى، فإن إبعاد النابي يحمل أيضا رسالة بشأن النموذج الذي اختاره الرجاء.
فإذا استمر ماتياس في منصبه واختار أو شارك بصورة حاسمة في اختيار المدرب المقبل، فهذا يعني أن النادي حسم التراتبية الجديدة: المشروع الرياضي للمدير الرياضي، والمدرب يعمل داخله وليس العكس.
وقد يكون هذا النموذج ناجحا، بل هو معمول به في عدد كبير من الأندية الحديثة، لكن نجاحه يحتاج إلى وضوح في الصلاحيات منذ البداية.
والمفارقة أن النابي لم يغادر بسبب حصيلة رياضية دفعت الإدارة إلى تغييره؛ فقد تولى الفريق في نهاية الموسم وقاده إلى إنهائه في المركز الثالث وضمان المشاركة القارية. وإنما جاءت أزمته أساسا أثناء بناء فريق الموسم الجديد وقبل بدء الاختبار الحقيقي للمشروع.
لذلك، فإن كواليس إقالة نصر الدين النابي تطرح سؤالا يتجاوز المدرب التونسي نفسه: هل كانت الأزمة نتيجة صعوبة التعايش بين شخصيتين قويتين، أم نتيجة خطأ في هندسة المشروع منذ البداية، حين اختار الرجاء مدربه قبل أن يختار الرجل الذي سيصبح لاحقا المسؤول الأول عن سياسته الرياضية؟
إذا كان الرجاء يريد أن يجعل من المدير الرياضي مركز المشروع الجديد، فإن الاختبار المقبل لن يكون فقط في اسم خليفة النابي، وإنما في ما إذا كان النادي قد تعلم من الأزمة، بحيث يكون المدرب الجديد اختيارا منسجما مع ماتياس وصلاحياته، بدل إعادة إنتاج صراع آخر داخل الإدارة الرياضية.