بدأت الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027 تتحول، قبل نحو ثمانية أشهر من موعدها، إلى واحدة من أكثر الاستحقاقات غموضا في تاريخ الجمهورية الخامسة، بعدما دخل السباق مرحلة مبكرة من الاستقطاب بين اليمين المتطرف واليسار، في مقابل انقسام واضح داخل المعسكر الوسطي الذي حكم فرنسا مع الرئيس إيمانويل ماكرون منذ سنة 2017.
وتبدو المعركة مفتوحة على أكثر من سيناريو، في ظل تقدم مارين لوبن في استطلاعات نوايا التصويت، وصعود جان لوك ميلونشون على اليسار، وتنافس إدوار فيليب وغابرييل أتال على إرث ماكرون، فضلا عن دخول رافاييل غلوكسمان السباق ومحاولة اليمين التقليدي استعادة موقعه عبر برونو روتايو.
وحددت السلطات الفرنسية رسميا 18 أبريل 2027 موعدا للدور الأول، و2 ماي 2027 للدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. ولن يستطيع إيمانويل ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية، إذ يمنع الدستور الفرنسي رئيس الجمهورية من شغل أكثر من ولايتين متتاليتين.
وهكذا، فإن السؤال الذي بدأ يفرض نفسه على الحياة السياسية الفرنسية لم يعد فقط: من سيخلف ماكرون؟ بل أيضا: هل تتجه فرنسا لأول مرة إلى إيصال اليمين المتطرف إلى قصر الإليزيه؟
لوبن في موقع قوة
في قلب السباق توجد مارين لوبن. تدخل زعيمة التجمع الوطني حملتها الرئاسية الرابعة في وضع سياسي مختلف عن انتخابات 2012 و2017 و2022، بعدما تحولت قوتها السياسية من حزب احتجاجي على هامش النظام إلى أحد أكبر مكونات المشهد السياسي الفرنسي.
وتشير استطلاعات حديثة إلى تقدم لوبن في نوايا التصويت خلال الدور الأول، بينما أصبحت مسألة هوية منافسها المحتمل في الدور الثاني واحدة من أهم رهانات الانتخابات المقبلة. وأظهر استطلاع حديث أن جان لوك ميلونشون أصبح من أبرز المرشحين المحتملين لمواجهتها في الجولة الثانية إذا استمرت موازين القوى الحالية. لكن طريق لوبن نحو الإليزيه لا يزال محاطا بعامل قضائي غير مسبوق.
ففي يوليوز 2026، أدانتها محكمة الاستئناف في باريس في قضية المساعدين البرلمانيين الأوروبيين، لكنها اعتبرت أن مدة عدم الأهلية للانتخاب المحكوم بها عليها قد استُنفدت، ما أبقى الباب مفتوحا أمام ترشحها للرئاسة في أبريل 2027. وفي المقابل، يمكن لمحكمة النقض أن تصدر قرارا بشأن الملف قبل الانتخابات، وهو ما يبقي الجانب القضائي حاضرا في خلفية حملتها.
غير أن المشكلة التي تواجه التجمع الوطني لم تعد أساسا في قدرته على الوصول إلى الدور الثاني. المعركة أصبحت تدور حول إقناع الفرنسيين بأنه قادر على الحكم. وهذا ما ظهر بقوة خلال أول مواجهة اقتصادية كبيرة بين أبرز المرشحين للرئاسة، التي نظمها اتحاد أرباب العمل الفرنسيين “ميديف” يوم 27 غشت.
حضرت لوبن إلى اللقاء وهي تسعى خصوصا إلى طمأنة رجال الأعمال والأسواق، وتعهدت باستعادة الانضباط في المالية العامة وسداد الدين، في محاولة لإزالة الصورة التي تربط برامج اليمين المتطرف بوعود اجتماعية مكلفة يصعب تمويلها.
لكنها في الوقت نفسه تمسكت بوعد العودة بسن التقاعد إلى 62 سنة، بل إلى 60 سنة بالنسبة إلى بعض من بدأوا العمل مبكرا، وهو مقترح يعيد طرح السؤال حول كلفته في بلد يعاني أصلا من أزمة متصاعدة في المالية العامة.
وهنا تظهر واحدة من المفارقات الرئيسية في حملة لوبن: كيف يمكن الجمع بين تقديم التجمع الوطني باعتباره حزبا يحترم التوازنات المالية، وبين وعود اجتماعية تحتاج إلى عشرات مليارات اليوروهات؟
الدين العام يدخل قلب الانتخابات الفرنسية
ولم تعد الهجرة والأمن والهوية وحدها الموضوعات التي تحدد اتجاه الانتخابات الفرنسية. الاقتصاد أصبح بصورة متسارعة في قلب المعركة.
فرنسا تواجه دينا عاما يناهز 117 في المائة من الناتج الداخلي الخام، إلى جانب عجز مرتفع وضغوط متزايدة في أسواق السندات، بينما تحاول حكومة سيباستيان لوكورنو إعداد ميزانية 2027 وسط برلمان منقسم وحسابات انتخابية تجعل تمرير إجراءات تقشفية أو إصلاحات اجتماعية أكثر صعوبة.
وقد انعكس ذلك مباشرة على خطاب المرشحين. فاليمين يريد تخفيض الإنفاق وإصلاح سوق العمل، واليسار يطالب بإعادة توزيع الثروة وزيادة الضرائب على الأكثر ثراء، بينما يحاول التجمع الوطني الجمع بين خطاب اجتماعي ومطالب الانضباط المالي. وبذلك تحولت الانتخابات تدريجيا إلى سؤال حول من سيدفع فاتورة الدين الفرنسي؟
وكان جان لوك ميلونشون أحد أبرز من فجّر هذا النقاش.
زعيم “فرنسا الأبية” طرح فكرة التفاوض من أجل إلغاء جزء من الدين الفرنسي الموجود لدى بنك فرنسا والمرتبط بالبنك المركزي الأوروبي، وهو اقتراح أثار ردود فعل حادة من منافسيه وحتى من شخصيات اقتصادية وسياسية داخل اليسار.
ووجه إدوار فيليب وغابرييل أتال وبرونو روتايو انتقادات قوية للمقترح، محذرين من تأثيره على ثقة المستثمرين ومصداقية فرنسا المالية.
أما ميلونشون، فيرفض تقديم الأمر باعتباره قرارا فرنسيا أحاديا أو خطوة نحو الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويقول إن الهدف هو فتح تفاوض أوروبي بشأن الديون والسياسات المالية.
وتكشف هذه المواجهة أن انتخابات 2027 قد تعيد إنتاج انقسام شديد الوضوح بين مشروعين اقتصاديين متعارضين، بعد سنوات حاول فيها ماكرون تجاوز التقسيم التقليدي بين اليمين واليسار.
هل يصل ميلونشون إلى الدور الثاني؟
سياسيا، يمثل صعود ميلونشون مصدر قلق مزدوج. فمن جهة، يحاول تقديم نفسه باعتباره المرشح الطبيعي لليسار في مواجهة لوبن.
ومن جهة أخرى، يخشى الوسط واليمين من سيناريو قد ينتهي فيه الدور الأول بمواجهة بين مارين لوبن وجان لوك ميلونشون، مع خروج جميع المرشحين التقليديين.
وأظهرت استطلاعات حديثة أن ميلونشون أصبح أحد أبرز المرشحين للوصول إلى الدور الثاني، وهو سيناريو يعكس حجم الاستقطاب الذي يعرفه المجتمع السياسي الفرنسي. لكن اليسار نفسه لا يدخل المعركة موحدا.
فقد أعلن رافاييل غلوكسمان، رئيس حزب “Place Publique”، في 23 غشت ترشحه رسميا للرئاسة، واضعا نفسه في مواجهة مباشرة مع ميلونشون على زعامة اليسار الفرنسي.
غلوكسمان يحاول بناء يسار اجتماعي ديمقراطي مؤيد بوضوح للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، وأكثر اعتدالا في القضايا الاقتصادية والخارجية من “فرنسا الأبية”. والمفارقة أن قوة كل واحد من الرجلين قد تصبح مشكلة للآخر. فإذا دخل ميلونشون وغلوكسمان ومرشحون آخرون من اليسار الدور الأول منفصلين، فقد يؤدي تشتت الأصوات إلى إضعاف فرص جميعهم.
أما إذا نجح أحدهم في احتكار التصويت اليساري، فقد يصبح منافسا جديا على إحدى بطاقتي الدور الثاني.
ولهذا بدأت المعركة على اليسار مبكرا، ولم تعد الخلافات تتعلق بالبرنامج فقط، بل بالسؤال الأكثر حساسية، من يملك الشرعية لتمثيل اليسار في مواجهة لوبن؟
معسكر ماكرون.. مرشحان لإرث واحد
لكن الأزمة الأكبر توجد ربما داخل الوسط. فبعد عشر سنوات من حكم ماكرون، لا يوجد حتى الآن وريث سياسي موحد للرئيس المنتهية ولايته.
ويتنافس أساسا رئيسا الوزراء السابقان إدوار فيليب وغابرييل أتال على تمثيل الوسط في انتخابات 2027. المشكلة أن الاختلافات بين الرجلين ليست كبيرة بما يكفي لتبرير، في نظر منتقديهما، وجود ترشيحين قادرين على تقسيم الكتلة الانتخابية نفسها.
وقد دفعت هذه الوضعية شخصيات من الوسط، بينها فرانسوا بايرو، إلى إعادة طرح فكرة التوصل إلى مرشح موحد يمكنه منع سيناريو خروج المعسكر الوسطي من الدور الأول.
فإذا حصل فيليب وأتال ومرشح من اليمين التقليدي على نسب متقاربة، فإن أصوات الوسط واليمين المعتدل قد تتوزع بين عدة مرشحين، بينما تستفيد لوبن وميلونشون من تجمع أكبر للأصوات حولهما.
وهناك معضلة أخرى. أتال وفيليب كانا جزءا من منظومة حكم ماكرون، لكن كليهما يحتاج في الوقت نفسه إلى إقناع الناخبين بأنه يمثل مرحلة ما بعد ماكرون. ومن هنا أصبح إرث الرئيس الحالي عبئا انتخابيا بقدر ما يمثل رصيدا.
فالدفاع الكامل عن السنوات العشر الماضية يعني تحمل مسؤولية الدين والعجز والأزمات الاجتماعية وحالة عدم الاستقرار السياسي التي أعقبت حل الجمعية الوطنية سنة 2024.
وفي المقابل، فإن مهاجمة حصيلة ماكرون بشدة تطرح سؤالا بسيطا على المرشحين اللذين عملا معه: إذا كانت التجربة فاشلة إلى هذا الحد، فأين كان موقفكما عندما كنتما جزءا منها؟
ولهذا توصف وضعية أتال وفيليب بأنها محاولة دقيقة للجمع بين الاستفادة من قاعدة ماكرون الانتخابية والتحرر من إرثه في الوقت نفسه.
الهجرة تعود بقوة إلى قلب الحملة
ويظهر هذا السباق مع اليمين خصوصا في ملف الهجرة. فقد طرح إدوار فيليب خلال زيارة إلى مايوت إجراءات أكثر تشددا بشأن اللجوء ولمّ الشمل، بينما تحدث غابرييل أتال عن إمكانية تعديل الدستور من أجل فرض حصص أكثر تقييدا للهجرة.
وتكشف هذه المواقف عن محاولة واضحة داخل الوسط لمنع التجمع الوطني من احتكار موضوع الهجرة والأمن.
لكن هذه الاستراتيجية تثير جدلا داخل المعسكر الوسطي نفسه، لأن منتقديها يرون أن تبني جزء من خطاب اليمين المتطرف قد لا يضعفه، بل قد يؤدي إلى جعل أفكاره أكثر قبولا لدى الرأي العام.
لماذا ستكون انتخابات فرنسا 2027 مختلفة؟
تكمن خصوصية انتخابات 2027 في أنها ستكون أول انتخابات رئاسية منذ عشر سنوات لا يكون فيها إيمانويل ماكرون مرشحا.
في 2017، نجح ماكرون في تفكيك النظام الحزبي التقليدي وتجاوز الثنائية القديمة بين الاشتراكيين والجمهوريين.
وفي 2027، قد نشهد العملية المعاكسة. فالمعسكر الذي بناه ماكرون أصبح نفسه مهددا بالتفكك، بينما يقف التجمع الوطني في موقع أقوى من أي وقت مضى، ويحاول اليسار إعادة بناء نفسه حول أكثر من مشروع متنافس.
وهكذا تتقاطع داخل الانتخابات المقبلة أربع معارك في آن واحد: معركة على خلافة ماكرون، ومعركة على منع لوبن من الوصول إلى الإليزيه، ومعركة على زعامة اليسار، ومعركة على إعادة بناء الوسط واليمين التقليدي.
فرنسا أمام سيناريو غير مسبوق
من المبكر الجزم بمن سيدخل الدور الثاني يوم 2 ماي 2027. فالانتخابات الفرنسية كثيرا ما عرفت تحولات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة من الحملات، كما أن تعدد المرشحين يجعل بضعة نقاط فقط كافية لتغيير ترتيب المتنافسين. لكن الاتجاه الحالي يكشف حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: مارين لوبن تبدأ السباق من موقع قوة، بينما يدخل خصومها المعركة منقسمين. وبالنسبة إلى الوسط، فإن الخطر لا يتمثل فقط في فوز اليمين المتطرف. الخطر الأول هو ألا يصل أي من مرشحيه أصلا إلى الدور الثاني.
أما بالنسبة إلى اليسار، فالسؤال نفسه يطرح بصورة معكوسة: هل يستطيع توحيد أصواته حول مرشح قادر على تجاوز الوسط، أم أن تعدد الترشيحات سيعيد السيناريو الذي أضعفه في انتخابات سابقة؟
لهذا تبدو الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، قبل أشهر من انطلاق الحملة الرسمية، أقل شبها بمنافسة تقليدية على الرئاسة وأكثر شبها بعملية إعادة تشكيل شاملة للخريطة السياسية الفرنسية بعد عشر سنوات من عهد ماكرون.